الطبراني

494

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وكلّموه بالعبرانية ، وعليه ثياب حرير وطوق ذهب ، وهو جالس على سرير ملكه ، فَعَرَفَهُمْ ؛ أنّهم إخوته ، وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) ، وكانوا لا يعرفونه لطول العهد ؛ لأنّهم كانوا رأوه صغيرا ، ولم يظنّوا أنه يصير ملكا ، فأمارهم وأحسن إليهم ، وفاوضهم في الحديث حتى حدّثوه بحديث أبيهم ، وقالوا : إنّ لنا أبا شيخا كبيرا وكنا اثني عشر ، فهلك واحد منّا في الغنم ووجدنا قميصه وعليه دم فأتينا به أبانا ، وله أخ وهو آثر إلى أبينا منّا . قوله تعالى : وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ؛ لهم : ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ؛ أي لمّا أعطاهم الميرة وكال لهم كيلهم ، قال لهم : ( ائتوني بأخ لكم من أبيكم ) أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ؛ أعطي الناس حقوقهم على التمام ، وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 ) ؛ للأمور منازلها ، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) ؛ مرّة أخرى . قوله : قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ ؛ أي قالوا : سنطلبه من أبيه ، وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) ، أن سنجيء به ، وخاف يوسف أن لا يكون عند أبيهم من الرّزق ما يرجعون به إليه مرّة أخرى . فأمر أن يجعل دراهمهم في أوعيتهم من غير علم لهم ، فذلك قوله تعالى : وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ ؛ أي قال يوسف لخدّامه من مماليكه : اجعلوا دراهمهم ودنانيرهم التي جاؤوا بها في رحالهم ، لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ ، لكي يعرفوا هذه الكرامة منّي . ويقال : كي يعرفوا أنّها دراهمي ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 ) ، فيرجعوها فيردّوها عليّ . قوله تعالى : فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ؛ في المستقبل إن لم ترسل معنا بنيامين ، فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ ؛ لنا وله . ومن قرأ ( يكتل ) بالياء أي يكتل أخونا ، يأخذ لنفسه حملا ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 63 ) ؛ حتى نردّه عليك . قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ ؛ يوسف ، مِنْ قَبْلُ ؛ فضيّعتموه وغيّبتموه عني ، ولئن أرسلت معكم بنيامين ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً ، أي فعلى اللّه أتوكّل ، فإنّ حفظ